محمد سعيد رمضان البوطي

192

فقه السيرة ( البوطي )

ولعل الحكمة الجلية في هذا ، أن البحث في الأمر بعد أخذ العدة للقتال ، وبعد ظهور النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في قومه وأصحابه لابسا دروعه آخذا سلاحه - شيء خارج عن حدود ما يقتضيه مبدأ التشاور خصوصا في القضايا الحربية التي تحتاج - مع المشورة - إلى قدر كبير من الحزم والعزم . ثم إن المعنى الذي قد يتولد عن تقاعسه صلى اللّه عليه وسلم عن الخروج بعد أن طلع عليهم مستعدا لذلك ، إنما هو الضعف والاضطراب في الإرادة وهو كثيرا ما يكون نابعا من الخوف والحذر اللذين لا معنى لهما ، ولذلك أجابهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم على كلامهم بعبارة فيها كل الحزم والعزم ، دون أن يلتفت إلى لغط القوم وتعاتبهم فيما بينهم ، قال : « ما ينبغي لنبيّ لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل » . ثانيا : للمنافقين في هذه الغزوة مشهد بارز . . ولم لا يكون مشهدهم بارزا فيه ، وهي إنما انطوت على حكم ومقاصد ، من أهمها تمحيص المؤمنين عن أخلاطهم من المنافقين ؟ وإن من وراء ذلك لفوائد كبيرة للمسلمين كانت ذخرا لهم فيها بعد . لقد رأينا كيف انخزل عبد اللّه بن أبيّ بن سلول بثلاثمائة من أتباعه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، بعد خروجهم من المدينة ، وسبب ذلك في ظاهر ما تذرع به : أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إنما أخذ برأي الشبان الأغرار ، ولم يأخذ برأي أمثاله من الشيوخ أرباب الحجى والأحلام ، غير أن سبب ذلك في الحقيقة وواقع الأمر ، هو أنه لا يريد قتالا ، لأنه لا يريد أن يعرّض نفسه لمخاوفه ومغباته . . وتلك هي أبرز سمات المنافقين : يريدون أن يأخذوا ما في الإسلام من مغانم ، ويبتعدوا عما فيه من مغارم وأتعاب ! . . وإنما الذي يمسكهم على الإسلام أحد شيئين : غنيمة يتوقعونها ، أو مصائب ومحن يتوقونها . ثالثا : أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لم يشأ أن يستعين بغير المسلمين في هذه الغزوة ، على الرغم من قلة عدد المسلمين ، وقال فيما روى ابن سعد في طبقاته : « لا نستنصر بأهل الشرك على أهل الشرك » « 1 » ، وقد روى مسلم أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال لرجل تبعه في يوم بدر ليقاتل معه : « أتؤمن باللّه » ؟ قال : لا ، قال : « فارجع فلن أستعين بمشرك » . وقد ذهب جمهور كبير من العلماء بناء على هذا ، إلى أنه لا يجوز الاستعانة بالكفار في القتال ، وفصّل الإمام الشافعي في ذلك ، فقال : إن رأى الإمام أن الكافر حسن الرأي

--> ( 1 ) قد يقال : إن هؤلاء الذين عرضوا مشاركتهم مع المسلمين في القتال يهود من أهل الكتاب ، فكيف سماهم الرسول أهل الشرك ، والجواب : إن إطلاق الشرك عليهم بمعنى غير المعنى الاصطلاحي الذي يطلق على الوثنيين من العرب ، وللشرك معنى عام يعتبر قدرا مشتركا يصدق على جميع الكافرين .